المقريزي
358
إمتاع الأسماع
أتوكف ( 1 ) خروج نبي قد أظل زمانه ، هذه البلدة مهاجره ، فكنت أرجو أن يبعث فأتبعه ، وقد أظلكم زمانه ، فلا تسبقن ( 2 ) إليه يا معاشر يهود ، فإنه يبعث بسفك الدماء وسبي الذراري والنساء ممن خالفه ، فلا يمنعنكم ذلك منه . فلما بعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وحاصر بني قريظة ، قال : هؤلاء الفتية - كانوا شبابا أحداثا - : يا بني قريظة ، والله إنه لهو بصفته ، فنزلوا وأسلموا ، فأحرزوا دماءهم وأموالهم [ وأهليهم ] ( 3 ) . وقال ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ منهم ( 4 ) ، قال : قالوا : فينا والله وفيهم نزلت هذه القصة ، كنا قد علوناهم ظهرا في الجاهلية - ونحن أهل شرك وهم أهل كتاب - فكانوا يقولون : إن نبيا يبعث الآن نتبعه قد أظل زمانه ، نقتلكم معه قتل عاد وارم ، فلما بعث الله رسوله من قريش واتبعناه كفروا به ، يقول الله تعالى : ( فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين ) ، إلى قوله : ( عذاب مهين ) ( 5 ) . وعن عكرمة وسعيد بن جبير عن ابن عباس ، أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله قبل مبعثه ، فلما بعثه الله من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه ، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور : يا معشر يهود ، اتقوا الله وأسلموا ، قد كنتم تستفتحون علينا بمحمد وإنا أهل شرك ، وتخبروننا بأنه مبعوث ، وتصفونه لنا بصفته ، فقال سلام بن مشكم : ما هو بالذي كنا نذكر لكم ، ما جاءنا بشئ نعرفه ! فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم ( ولما
--> ( 1 ) التوكف : التوقع والانتظار ، وفي حديث ابن عمير : أهل القبور يتوكفون الأخبار ، أي ينتظرونها ويسألون عنها . وفي التهذيب : أي يتوقعونها ، فإذا مات الميت سألوه : ما فعل فلان وما فعل فلان ؟ يقال : هو يتوكف الخبر أي يتوقعه ، ونقول : ما زلت أتوكفه حتى لقيته . ( لسان العرب ) : 9 / 364 . ( 2 ) في ( خ ) : " يسبقنكم " . ( 3 ) في ( خ ) " وأهاليهم " ، وما أثبتناه من رواية ابن إسحاق فهي أجود ، وبها جاء التنزيل : ( قوا أنفسكم وأهليكم نارا ) [ 6 : التحريم ] ( سيرة ابن هشام ) : 2 / 39 - 40 وهامشهما ، وفي آخر هذا الأثر قال ابن إسحاق : ( فهذا ما بلغنا من أخبار يهود ) . ( 4 ) في رواية ابن إسحاق : " عن رجال من قومه " . ( 5 ) هذا الأثر مختصر من رواية ابن إسحاق ، ( سيرة ابن هشام ) : 2 / 37 .